وقد عرف أيضا كلّ سامع لهذا الشعر أن الشاعر لم يقصد بابتداء الكلام الإخبار عن انتقام إسحاق ممن انتقم منه بعد ترويعه، وإنما قصد الإخبار عن صفة الفراق وشدته فقط، ثم خرج إلى الدعاء عليه بانتقام إسحاق، فخرج من معنى إلى غيره.
وقال البختري في صفة فرس كريم سهل الأخلاق:
سهل موارده ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول
وقد علم أن البحتري لم يقصد في هذا الكلام وصفه خلائق حمدويه وسجيّته، وإنما قصد غير ذلك، ثم عاد إلى ذكره.
وقال سريّ الرفّاء:
نزع الوشاة لها بسهم قطيعة ... يرمي بسهم البين من يرمي به
ليت الزمان أصاب حبّ قلوبهم ... بفتى بن عبد الله أو بحرابه
بسلاح معتقل السلاح وإنّما ... يعتلّ بين طعانه وضرابه
وقد علم أيضا أن الشاعر لم يقصد بما شرع فيه إلى وصف سلاح ابن عبد الله واعتلاله، وما لأجله يعتلّ من الضرب والطعن، وإنما قصد إلى ذمّ الوشاة وما حاولوه من الأمور الموجبة للضّرر والقطعية، وإن كان قد خرج بين ذلك إلى الدعاء عليهم بقتال ابن عبد الله وحرابه وبعث السلاح، وما لم يبتدئ بالكلام لأجله، فأمّا الالتفات في الكلام الذي هو خروج من معنى كان فيه إلى معنى آخر ما على أن يعود إليه بعد ذكر ما يعرض ونعته، أو بأن يضرب عنه جملة، فإنّه كثير في كتاب الله وفي كلام العرب وشعر الفصحاء، وأظهر من أن يحتاج معه إلى إغراق، قال الله تعالى: {حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22] فعدل عن خطاب الحاضر إلى ما هو كناية عن الغائب، وسواء كنّى عن الحاضر الذي ابتدأ بخطابه أو غير الحاضر فقد خرج، وقال الله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم: 19] ، ثم قال: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً} [إبراهيم: 21] وذلك كثير. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...