ولقد كان سبب توارث الشقاء في قوم نوح جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل مشاهدة الصغار لما عليه الكبار، بل حَمَلَ الكبيرُ صغيره على إساءة الأدب، وتدريبه على مواقعة الريب حتى تتابعت بهم العصور وهم في غرور وقصور، ووقاحة وفجور، لا يوقرون كبيرًا ولا يرحمون صغيراً، ولا يحسنون قليلاً ولا كثيرًا؛ فالعاقل من نَكَبَ عن هذا الطريق، وسأل من الله تعالى التوفيق.
فروى الإِمام أحمد، والحاكم وصححه، عن عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَجِلَّ كَبِيْرَنَا، وَيرْحَمْ صَغِيْرَنَا، وَيعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ".
وروى الإِمام أحمد، والطبراني في"الكبير"- وإسناده حسن - عن عبد الله بن بُسر رضي الله تعالى عنه قال: قد سمعت حديثًا منذ زمان: إذا كنت في قوم - عشرين رجلًا، أو أقل أو أكثر - فتصفحت وجوههم، فلم تر فيهم من يُهاب في الله عز وجل، فاعلم أن الأمر قد رق.
ولو أننا قابلنا ما نرى من أحوال الناس الآن على ما نروي من آثار السلف لرأينا المباينة بائنة، والسيرة غير موافقة، والطريقة غير مطابقة، والمنافقة نافِقة، والصدق عزيز، والمصادقة غير صادقة، ليس لهم سكينة إلا التماوت، ولا وقار إلا التغافل والتهافت، وإني لقائل: من الكامل المذيّل]
وَلَقَدْ أَرى أَنَّ السَّكِيْنَةَ لَمْ تَكُنْ ... تُرأى عَلَى أَهْلِ الشَّبابِ وَلا الْمَشِيْبْ
وَأَراهُمْ ما وَقَّرُوا ذا حُرْمَةٍ ... حَتَّى لَقدْ رَكِبُوا مِنَ الأَمْرِ الْمَعِيْبْ
لا يَبْرَحُوْنَ عَلى أُمُوْرٍ لَمْ تَكُنْ ... تَعْنِيْهِمْ لَدُنِ الصَّباحِ إِلَى الْمَغِيْبْ
هَلْ آمَنُوا أَنَّ الإِلَهَ مُهَيْمِنٌ ... أَمْ آمَنُوا أَنَّ الإِلَهَ هُوَ الرَّقيبْ
لَوْ أَنَّهم قَدْ آمَنُوا حَقًّا لَما ... أَمْسَوْا عَلى أَعْمالِ ذي شَكٍّ مَرِيْبْ
مَنْ قالَ إِنَّ لِقاءَهُمْ لَمُصِيْبَةٌ ... وَوُجُوْدَهُمْ فَقْدٌ فَذاك هُوَ الْمُصِيْبْ
إِنَّ الأَدِيْبَ إِذا تَظاهَر بَيْنَهُمْ ... أَضْحَى وَأمْسَى وَهْوَ في ذُعْرِ الْغَرِيْبْ