فالجواب: أنّ الإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل وقد يقع في ذهن جاهل أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخرَ، وأما الآية هاهنا الخَسْفُ، وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد، وإنما ذلك بإرادة قادر مخصصة بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل أن يقول هذا أمر يكون كذلك، وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال له: فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل لهم النجاة؟
ولو سلط الله عليهم الريح العاصفة، وكيف تكون أحوالهم؟
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في قوله هناك: «لِلْعَالمينَ» ، وفي قوله هاهنا: «لِقَوْم يَعْقِلُونَ» ؟
فالجواب: أن السفينة موجودة معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حال نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، فلا يثق أحدٌ بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله طالباً النجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليها إلا من مرّ بها، ويصل إليها وويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله فإرادته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان.
قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحدارة التي أهلكوا بها أبقاها الله تعالى حتى أدركها أوائل هذه الأمة.
وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) }
«فَإِنْ قِيلَ» : قال الله تعالى في «نوح» : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ} [العنكبوت: 14] فقدم نوحاً في الذِّكْرِ وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم، ولوط، وهاهنا ذكر القوم أولاً، وأضاف إليهم أخاهم «شعيباً» فما الحكمة؟