لما دعا سيدنا موسى (- عليه السلام -) من الله أن ينجيه من القوم الظالمين في الآية السابقة: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، أراد الله جل وعلا أن يعلم باستجابته منه مخبراً بجهة قصده زيادة في الإفادة، فقال: (ولما) ، أي: فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه إلى مدين.
فقوله تعالى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} عطف على جملة محذوفة تقديرها: ولما خرج من المدينة هائماً على وجهه فهداه الله إلى الطريق الذي يؤدي إلى أرض مدين فلما سلك هذا الطريق، {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} . فنلاحظ الترابط بين الكلمات والمعاني، ومناسبة الآيات بعضها للبعض الآخر فبدت كنسيج واحد دقيق يكمل بعضه بعضاً ليدل على المعنى المراد توصيله بأقرب الطرق، وأبلغ العبارات وأقصرها، وهذه ميزة أخرى من المزايا التي تميز بها الَقُرْآن الكَرِيم عن غيره، ومعجزة أخرى تؤكد أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إلا من عند الله جَلَّ وَعَلا.
تحليل الألفاظ
1. {تَوَجَّهَ} :
الجِهَةُ، والوِجهَةُ جميعاً الموضع الذي تتوجه إليه وتقصده وضلَّ وِجْهَةَ أمره، أي: قصده وخَلَ عن جِهَتِه: يريد جِهَةَ الطريق، وتَوَجَهَ إليه ذهب.
وقال النسفي:"التوجه الإقبال على الشيء". وقال أبو حيان:"توجه وجهة تلقاء أي ناحية وجهه استعمل المصدر استعمال الظرف".
2. {تِلْقَاءَ} :
أصله مصدر على وزن التِفعال بكسر التاء، وليس له نظير في كسر التاء إلا تِمثال. قال ابن سيدة: وَتَلَقاه والتَقاه والتَقَيْنا وتَلاقَينْا والتَقَوْا وتَلاقَوْا بمعنى، وجلس تِلقاء، أي: حِذاءه. وقال الطبري:"يقال داره تلقاء دار فلان إذاَ كانت محاذيتها".
3. {وَرَدَ} :
وردَ الوِرْدُ ووُردُ القوم الماء والوِرْدُ الماء الذي يُورَدُ، والوِرْدُ الإبل الواردة…المَوْرِدةُ الطريق إلى الماء. وقال ابن سيدة: وَوَرَدَ الماء وغيره وَرْداً ووُرُوداً، وورد عليه أشرف عليه دخله أو لم يدخله.
وقال الراغب الأصفهاني: أصل الورود قصد الماء ثم يستعمل في غيره (2) .
4. {أُمَّةً} :