ثانياً. يلمح المتابع أن هناك تشابهاً كبيراً بين خروج سيدنا موسى (- عليه السلام -) ، وهجرة الرسول محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، وما رافقها من ظروف صعبة شبيهة بالتي مرت على موسى (- عليه السلام -) . فلما خشيت قريش من تفاقم أمر النبي (- صلى الله عليه وسلم -) واتساعه، اجتمعوا في دار الندوة للتشاور فيما يجب أن يفعلوه برسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعض آخر: أخرجوه من مكة، فقال لهم أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من بطون قريش غلاماً وتعطوه سيفاً فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم. قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} . وهنا تتدخل القدرة الإلهية لحمايته (- صلى الله عليه وسلم -) ، فيرسل الله جل وعلا سيدنا جبريل (- عليه السلام -) ليخبر الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بما عزم عليه المشركون، وأخبره بأن الله أذن له بالهجرة إلى المدينة.
فقد ذكر ابن كثير أنه قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما أتمروا بك؟ قال يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني؟ فقال من أخبرك بهذا قال ربي؟
الفصل الخامس: هجرة سيدنا موسى (- عليه السلام -) إلى مدين
المبحث الأول: سيدنا موسى (- عليه السلام -) على ماء مدين
المطلب الأول: سيدنا موسى (- عليه السلام -) يسقي الماء لبنات شعيب (- عليه السلام -)
{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إليَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} .
المناسبة