وقال الفراء في"مصادر القرآن": جببت المال والماء جباية، إذا جمعته وجبوته جباوة. والجباية: الحوض العظيم. والجبا مقصور: الماء المجموع.
وقرئ {يُجْبَى} بالياء والتاء، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع، وليس بتأنيث حقيقي، وإذا كان كذلك كان بمنزلة الوعظ, والموعظة، والصوت، والصيحة، فإذا ذُكِّرَت كان حسنًا، وكذلك إذا أنثت. ذكر ذلك صاحب الحجة.
وقال الفراء: ذُكَّرَت {تُجْبَى} وإن كانت الثمرات مؤنثة؛ لأنك فرقت بينهما بإليه، كما قال الشاعر:
إنَّ امْرَأً غَرَّه منكن واحدةٌ ... بعدي وبعدكِ في الدنيا لمغرورُ
وبهذه العلة اختار أبو عبيد التذكير؛ فقال: قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل.
قال ابن عباس ومقاتل: يعني: يُحمل إلى الحرم ثمرات كل شيء؛ من مصرَ والشام واليمن والعراق. وقوله: {رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} أي: رزقناهم رزقًا من عندنا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} يعني: أهل مكة {لَا يَعْلَمُونَ} أنا فعلنا ذلك.
قال مقاتل: أي: إنهم يأكلون رزقي آمنون في حرمي، وهم يعبدون غيري. وقال ابن عباس. {لَا يَعْلَمُونَ} قدر ربوبيتي وعظمتي.
58 -ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} معنى البَطَر في اللغة: الحيرة، والبطر في النعمة هو: أن تكثر عليه النعمة فيدْهشَ فيها, ولا يهتدي للشكر عليها.
قال الليث: البطر: الحَيرة، يقال: لا يُبْطِرن جَهلُ فلانٍ حِلمكَ. أي: لا يُدْهشكَ عنه. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:"الكِبْر بطر الحق"، وهو أن يتحير في الحق فلا يراه حقًا. هذا هو أصل معنى البطر.
وقال أبو إسحاق: البطر: الطغيان عند النعمة. وبطر الحق على قوله: أن تطغى عند الحق؛ أي: تتكبر فلا تقبله.