من خلال هذه الآيات يتبادر مجموعة من الأسئلة:
أولا. ما المقصود بالمدينة في هذه الآيات؟
لقد اختلف العلماء في المراد بالمدينة:
ذكر الطبري إنما مدينة منف. ونقل أبو حيان الأندلسي هذا القول عن ابن عباس.
وقال ابن إسحاق: المقصود بالمدينة (مصر) نفسها. وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل (مصر) .
وقيل: هي مدينة عين شمس.
وقيل: قرية على بعد فرسخين من مصر يقال لها: (حابين) .
وقيل: الإسكندرية.
ثانياً. ما السبب الذي دعا سيدنا موسى (- عليه السلام -) لدخول المدينة متخفياً؟ لقد نقل الطبري أقوال أهل العلم في ذلك:
قيل دخلها متتبعاً أثر فرعون، لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد، فما حضر علم بركوبه فركب واتبع أثره وأدركه المقيل في هذه المدينة.
وقال السدي: كان موسى حيث كبرَ يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى موسى ابن فرعون، ثم أن فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى، فما جاء موسى. قيل له: إن فرعون قد ركب فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: (منف) فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها وليس في طرفها أحد.
ونقل الطبري عن ابن إسحاق: بل دخلها مستخفياً من فرعون وقومه، لأنه كان قد خالفهم في دينهم وعاب ما كانوا عليه.
وقال آخرون: بل كان فرعون قد أمر بإخراجه من مدينته حين علاه بالعصا، فلم يدخلها إلا بعد أن كبر وبلغ أشده.
وأرى أن المقصود بالمدينة عاصمة ملكه، والتي يعيش فيها الأقباط، وبني إسرائيل المستضعفين. فسيدنا موسى (- عليه السلام -) لما بلغ أشده واستوى أتاه الله الحكم والعلم {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} ، ونوّر بصره بالحكم والعلم، وبدء ينكر على فرعون ظلمه لبني إسرائيل، وينكر عليه ادعاءه الألوهية وعبادة الأقباط له من دون الله، فأصبحت له من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه ويطيعونه ويجتمعون إليه، فسمع فرعون وقومه فأغضبهم ذلك حتى ناصبوه العداء، فخاف على نفسه منهم، فلا يدخل المدينة إلا متخفياً منهم.
ثالثاً. ما هو الوقت الذي دخل فيه موسى المدينة؟