ونجد أن قوله تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} ، يضم صورة بلاغية بجنب مجموعة من الصور الفنية تتمثل في أن الأمر نتيجته هاهنا الحقيقة في الوقوع ـ وليس المجاز فلو أن الأمر (اسلك) كان مؤداه مجازاً لبطل وجه من أوجه الإعجاز الخبري في صدق قوله تعالى: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} بقرينة {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} احترازاً عن البرص الذي هو بياض بسوء.
وقوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} مشعر بعظم الصورة التي يتصورها الإنسان من (النبذ) الذي هو إلقاء باحتقار ثم إن قوله تعالى {فَأَخَذْنَاهُ} مشعر بكلية الجيش المنبوذ في اليم، وحقيقة الصورة نابعة من صورة المجاز فيها (الأخذ) و (النبذ) .
وقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} فيها أحد أجمل أنواع التصوير البلاغي في بابه، وذلك متمثل في أن (سماع اللغو) نتيجته (الإعراض عنه) ، وقد تأتى ذلك التصوير للقوم االمؤمنين من خلال أداة الشرط (إذا) وجواب الشرط (عرضوا) ، ثم حذف (اللغو) والاستعاضة عنه بهاء (عنه) ، فأنظر كيف غدا النص اعجازباً تصويرياً بلاغياً، لا يمكن لأحد أن يجيء بمثله مهما حاول من محاولات.
وقوله تعالى: {اللَّيْلَ سَرْمَداً} ، وقوله تعالى: {النَّهَارَ سَرْمَداً} على التوالي صورة مجازية لتقرير إستفهامي هو سؤال العارف، فصارت الصورة في الذهن منقلبة عن الصورة الحقيقية (الليل اللاسرمدي) و (النهار اللاسرمدي) إلى الصورة المجازية الآتية من الإستفهام عن الليل والنهار السرمديين، وهذا من أبلغ التصوير.
وقوله تعالى: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} ، قول بديع بليغ فيه كل أنواع التصوير الفني، وذلك نابع من أن إسناد النوء بالحمل مجازياً إلى المفاتيح لا إلى (العصبة أولي القوة) ، فهو من المقلوب لفظاً ومعنى.
وفي هذا القلب يتجسد التصوير البلاغي وتتمثل الصورة البلاغية واضحة كل الوضوح بما يراه القارئ في ذهنه من صورة (عصبة) (أولي قوة) تنوء بهم مفاتيحهم الخاصة بكنوز قارون.