أما قوله: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} ، فهي من الآيات التصويرية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة وتواضع، وكل ذلك استدللنا عليه بقوله تعالى: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} لأن استعارة الفعل المضارع الحقيقي تمشي، ونقل (على) من الأرض المحذوفة إلى (استحياء) بالتنكير المشعر بفخامة القصد المراد، يرينا صورة بلاغية أعجزت الأولين والآخرين، لذلك قال في هذه الآية بعض الباحثين:"إن المتتبع لقوله تعالى: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} لا يجد لها نظيراً في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية، وما ذلك إلا لأن إستعارة الشيء الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه، فالآية بذلك قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني".
ونحن واجدون في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} ما يعدّ آية الآيات في التصوير البلاغي في القرآن، وبخاصة في سورة القصص.
فتوالي حروف الجر، وتوالي الاضافات، والتصاق كل ذلك بعضه ببعض، ثم التقريب من العام إلى الخاص (شاطئ الواد) ، (البقعة المباركة) ، (من الشجرة) ، يدلّ على تصوير المعنى بأبلغ الصفات التي تدلّ (بما قبلها) على (ما بعدها) من قوله تعالى: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، ومايتلوه من قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} ، ففي كل ذلك التصوير، شُخِّصَ المعنى بأبلغ لفظ موجز، وهو نوع من أنواع الإيغال البلاغي، وفيه التفاف في الوصف. وجملة
(نودي) المبنية للمجهول تدلّ على تعظيم المنادى والمنادي.