اتصال العلم والعمل ، واتصال الحال والمعرفة ، واتصال الوِجْدانِ والوُجود ، وهو أَنْ يَجِدَ العبدُ رَبَّه بعد أَنْ كان فاقداً ، فهو بمنزلة من كان يطلُب كَنْزاً ولا وُصُول له إِليه فظفر به بعد ذلك ووَجَدَه واستَغْنَى به غايةَ الغِنى ، فهذا اتِّصال الوجود ، كما فِي الأَثر:"اطْلُبْنى تَجِدْنى ، فإِنْ وَجَدْتَنِى وَجَدْت كُلَّ شَيْءٍ ، وإِنْ فُتُّكَ فاتَكَ كلُّ شَىء".
وهذا الوُجود من العبد
لِرَبِّهِ يتنوّع بحسب حال العبد ومَقامه ، فالتائب الصّادق فِي تَوْبته إِذا تاب إِليه وَجَده غفوراً رحيماً ، والمتوكِّلُ إِذا صَدَقَ فِي تَوَكُّله وَجَده كافِياً حسيباً ، والدّاعِى إِذا صَدَق فِي الرَّغْبة إِليه وَجَده قرِيباً مُجِيباً ، والمحبّ إِذا صَدَق فِي مَحَبَّتِهِ وَجَده وَدُوداً حبيباً ، والملهوف إِذا صَدَق فِي الاستِعانة وَجَده كَاشِفاً للكرْب مُخَلِّصاً منه ، والمضطرُّ إِذا صَدَق فِي الاستِعانة إِليه وَجَده رَحِيماً مُعِيناً ، والخائفُ إِذا صَدَق فِي اللَّجَإِ إِليه وَجَده مُؤَمِّناً من الخوف ، والراجي/ إِذا صَدَق فِي رَجائه وَجَده عند ظَنِّه ؛ فمُحِبُّه وطالِبُه ومريدُه ومن لا يبْتَغِى سبه بَدَلاً ولا يرضَى بسِواهُ عِوَضاً إِذا صَدَق فِي محبّته وإِرادتِه وجَده أَيضاً وُجُوداً أَخصّ من تلك الوجودات ، فإِنَّه إِذا كان المُريدُ منه يَجدُه فكيف مُرِيدُه ومُحِبُّه! فيظفر هذا الواجِدُ بنَفْسِه وبِرَبِّه ، أَمَّا ظَفَرُهُ بنَفْسه فتَصِير مُنقادةً له ، مطيعةً تابعةً مَرْضاتِه ، غيرَ أَبِيَّةٍ ولا أَمَّارة ، بل تَصِير خادمةً له ومملوكةً بعد أَنْ كانت مخدومة مالكةً.
وأَمّا ظَفَرُه بربّهِ فقُرْبُه منه وأُنْسُه به ، وعِمارَةُ سِرِّه به ، وفَرَحُهُ وسُرُورُه أَعظم فَرَح وسرور.
فهذا حقيقة اتصال الوُجود.
وأَمّا اتصالُ العِلْمِ والعملِ قد يُسَمُّونَه اتَّصال الاعْتِصام ، فهو بتصحيح القَصْد ، ثمَّ تصفيته الإِرادة ، ثم تحقيق الحال.