قال الإمام الرازي ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء. فإن قيل: كيف قيل لهم: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم منكرون للإعادة؟.
فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في الإنكار .. .
وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير ..
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذي غيبه عن عباده، وعن أقوال المشركين في شأن البعث والحساب، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه في الرد عليهم .. فقال - تعالى -:
[سورة النمل (27) : الآيات 65 إلى 75]
(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)
ذكر بعض المفسرين أن كفار مكة سألوا النبي صلّى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، فنزل قوله - تعالى -: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ...
والغيب: مصدر غاب يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، ومعناه: ما لا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل.
و «من» اسم موصول في محل رفع على أنه فاعل «يعلم» و «الغيب» مفعوله فيكون المعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لكل من سألك عن موعد قيام الساعة: لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة في السماوات والأرض، الغيب إلا الله - تعالى - وحده، فإنه هو الذي يعلمه.
ويجوز أن يكون لفظ «من» في محل نصب على المفعولية و «الغيب» بدل منه، ولفظ الجلالة «الله» فاعل «يعلم» فيكون المعنى: قل لا يعلم الأشياء التي تحدث في السماوات والأرض الغائبة عنا، إلا الله - تعالى - .