{ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} .. فعرضناه عليهم في صور شتى، وأساليب متعددة، ولفتات متنوعة؛ وخاطبنا به مشاعرهم ومداركهم، وأرواحهم وأذهانهم؛ ودخلنا عليهم به من كل باب من أبواب نفوسهم، وبكل وسيلة تستجيش ضمائرهم .. {ليذكروا} .. فما يحتاج الأمر إلى أكثر من التذكر. والحقيقة التي يحاول القرآن ردهم إليها مركوزة في فطرتهم، أنساهم إياها الهوى الذي اتخذوا منه إلهاً .. {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} .
ومهمة الرسول صلى الله عليه وسلم إذن ضخمة شاقة؛ وهو يواجه البشرية كلها وأكثرها أضله الهوى، وأبى إلا الكفر ودلائل الإيمان حاضرة ..
{ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} ..
فتوزع المشقة، وتخف المهمة. ولكن الله اختار لها عبداً واحداً، هو خاتم الرسل؛ وكلفه إنذار القرى جميعاً، لتتوحد الرسالة الأخيرة، فلا تتفرق على ألسنة الرسل في القرى المتفرقة، وأعطاه القرآن ليجاهدهم به:
{فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً} ..
وإن في هذا القرآن من القوة والسلطان، والتأثير العميق، والجاذبية التي لا تقاوم، ما كان يهز قلوبهم هزاً، ويزلزل أرواحهم زلزالاً شديداً؛ فيغالبون أثره بكل وسيلة فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً.
ولقد كان كبراء قريش يقولون للجماهير: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} وكانت هذه المقالة تدل على الذعر الذي تضطرب به نفوسهم ونفوس أتباعهم من تأثير هذا القرآن؛ وهم يرون هؤلاء الأتباع كأنما يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين، والسورة والسورتين، يتلوهما محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فتنقاد إليه النفوس، وتهوى إليه الأفئدة.
ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة، وهم في نجوة من تأثير هذا القرآن. فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم ما أمروا هذا الأمر، وما أشاعوا في قومهم بهذا التحذير، الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير!