المقام، وأَيْضًا الْمَعْنَى الثاني مذكور في المواقع الكثيرة. قوله نحن أراد أن يذكر يرجح
الْمَعْنَى الأول نعم الْمَعْنَى الثاني أدل عَلَى وحدانيته تَعَالَى وأدعى إلَى الْعبَادَة وسجود
الرحمن، وفيه توبيخ عَلَى نفورهم عن الإيمان وسجدة الرحمن كما أن الآية الأولى مسوقة
لذلك وهي للحالة أي المصدر للنوع من خلف بمعنى الخلافة أو التعاقب.
قوله:( [بأن] يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب
الذات رحيم على العباد) بأن يتذكر فأدغم فصار أن يذكر آلاء الله أي نعم اللَّه تَعَالَى دنيوية
وأخروية روحانية أو جسمانية كسبية أو موهبية وتذكرها بأنواع العبادات والاجتناب عن
المنكرات في الليالي والنهار حتى إذا فاته ما يعمل في النهار يعمله في الليل وبالعكس
وبهذا يتضح حسن الْمَعْنَى الأول في خلفة. قوله ويتفكر في صنعه أي حذف الْمَفْعُول
للتعميم إلَى التذكر والتفكر في نعم الله تَعَالَى وفي صنعه التذكر يتنوع بالْإضَافَة فبالنسبة
إلى آلاء اللَّه تَعَالَى يتحقق في العبادات البدنية والمالية، وبالْإضَافَة إلَى صنعه ومصنوعاته
يوجد في التفكر والنظر الصحيح المفيد للعلم الصريح، ولذا قال فيعلم أنه لا بد الخ. وفيه
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: أن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه إلَى آخره. قال صاحب الكَشَّاف عن أبي بن كعب
يتذكر. والْمَعْنَى لينظر في اخْتلَافهما الناظر فيعلم أنه لا بد لانتقالهما من حال إلَى حال وتغيرهما من
ناقل ومغير ويستدل بذلك عَلَى عظيم قدرته ويشكر الشاكر عَلَى النعمة فيهما من السكون بالليل
والتصرف بالنهار كما قال عز وجل:(وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ
فَضْلِهِ)أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته وِرْده في أحدهما من
الْعبَادَة قام به في الآخر، وعن الحسن من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل
مستعتب. وفي النهاية استعتبه طلب أن يرضى عنه كما تقول استرضيته ومنه الحديث"لَا يَتَمَنَّيَنَّ"
أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا، فَلَعَلَّهُ [أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ] "أي يرجع من الإساءة ويطلب"
الرضى ومنه الْحَديث ولا بعد الموت من مستعتب. أي ليس بعده استرضاء. وكلمة (أو) في قوله عز
وجل: (أو أراد شكورًا) للتخيير والإباحة كما في قوله: (أَوْ كَصَيّبٍ منَ السَّمَاء)
أو للجمع كما في قوله سبحانه: (عذرًا أو نذرًا) ومن ثمة أتى
صاحب الكَشَّاف بالواو في موضعين حيث قال: لينظر ويشكر، وقال في وقتين للمتذكرين والشاكرين.
قال الطيبي في قوله (لِمَنْ أَرَادَ أن يذكر أو أراد شكورًا) تعريضًا بأن الَّذينَ قَالُوا(وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ
لِمَا تَأْمُرُنَا)أبوا التفكر في آيات اللَّه جحودا وعنادًا وامتنعوا عن الشكر عتوًا واستكبارًا وتصريح بأن
الَّذينَ توسموا بعباد الرحمن عَلَى خلاف ذلك قال ( [الَّذِينَ] يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) وقال(وَالَّذِينَ
يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)ليقابل قولهم (أَنَسْجُدُ) وقوله (وَزَادَهُمْ نُفُورًا) وقال الإمام: إنه تَعَالَى لما حكى
عن الْكُفَّار مزيد النفرة من السجود ذكر بعده ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود أو الْعبَادَة
فقال: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) يعني أن الَّذينَ قالوا (وما الرحمن) ما
تفكروا في هذه القدرة وما شكروا هذه النعمة.