قلما يرانا الغربيون على هذه الحالة ينفرون من الإسلام، ويسخرون منه، إلاّ من نظر منهم بعين العلم والإنصاف، فإنه يعرف أن ما نحن عليه هو ضد الإسلام. فكنا فتنة عظيمة عليهم، وحجاباً كثيفاً لهم عن الإسلام. فكنا - ويا للأسف - فتنة للقوم الظالمين.
وهم من ناحيتهم نراهم في عز وسيادة، وتقدم علمي وعمراني، فننظر إلى تلك الناحية منهم فنندفع في تقليدهم في كل شيء، حتى معائبهم ومفاسدهم، ونزدري كل شيء عندنا حتى أعز عزيز. إلاّ من نظر بعين العلم فعرف أن كل ما عندهم من خير، هو عندنا في ديننا وتاريخنا، وأن ذلك هو الذي تقدموا وسادوا به. وأن ما عندهم من شر هو شر على حقيقته، وأن ضرره فيهم هو
ضرره، وأنه لا يجوز أن يتابعوا عليه، فكانوا فتنة لنا حتى ينظر من ينظر بعين الحق للحقائق ممن تبهره الظواهر فتسلبه إدراكه فيغدو لا يفرق بين اللب والقشور.
إقتداء:
علمنا من هذه الآية وغيرها:
أن الله تعالى يمتحن عباده ويختبرهم ليظهر حقائقهم. فلنقتد به تعالى في هذا: فنبني أمورنا على الامتحان والاختبار، فلا نقرر علماً، ولا نصدر حكماً إلاّ بعد ذلك، وخصوصاً في معرفة الناس والحكم عليهم؛ فالظواهر كثيرا ما تخالف البواطن، والتصنّع والتكلّف قلّما يسلم منهما أحد، ولا يعصم من الخطأ مع هذه المغالطات كلها إلاّ الامتحان والاختبار فاعتصم بهما.
اهتداء:
كل من اتصل بك من أهلك، وبنيك، وأبيك، وأمك، وأصحابك، وعشيرتك، وقومك، وكل من ترتبط به برباط من أبناء جنسك، هو فتنة وامتحان لك:
هل تقوم بواجبك نحو من جلب خير له؟ أو دفع شر عنه؟ أو جلب خير منه لغيره؟ أو دفع شره عن غيره؟
وهل تكف يدك عن شيئه؟ وتكف بصرك عما متع به، وتسأل الله مما عنده من فضله؟.
وإنما تقوم بواجبك نحوه مما تقدم، وتكف يدك وعينك عنه، وتسأل الله مما عنده راضياً بما قسم لك، معتقداً الخير كل الخير في قسمه؛ إذا تدرعت بالصبر على إتيانه، وإن كان عليك ثقيلاً. والكف عما يطلب منك الانكفاف عنه، وإن كان منك قريباً، وفي طبعك لذيذاً.
وإنما يكون لك هذا الصبر، إذا كنت دائم اليقين بعلم الله بك، واطلاعه عليك، وأنه كان بك بصيراً.