قال ابن العربيّ: وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة سواه ليعمرها بالطاعة إذ عمرت بالمعصية ، وليحليها بالذكر إذ عطلت بالغفلة ، وليعلم الجهلة ويذكر الناسين.
الثامنة: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} أي إن الدنيا دار بلاء وامتحَان ، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر ، فالصحيح فتنة للمريض ، والغني فتنة للفقير ، والفقير الصابر فتنة للغنّي.
ومعنى هذا أن كل واحد مختبَر بصاحبه ؛ فالغني ممتحن بالفقير ، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه.
والفقير ممتحَن بالغنّي ، عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق ؛ كما قال الضحاك في معنى {أَتَصْبِرُونَ} : أي على الحق.
وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لم نعاف؟ والأعمى يقول: لِمَ لَمْ أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة.
والرسول المخصوص بكرامة النبوّة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره.
وكذلك العلماء وحكام العدل.
ألا ترى إلى قولهم: {لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى ، ويحقر المعافى المبتلى.
والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر ، وذاك عن الضجر.
{أَتَصْبِرُونَ} محذوف الجواب ، يعني أم لا تصبرون.
فيقتضي جواباً كما قاله المزني ، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصياً في مراكب ومناكب ، فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية {أَتَصْبِرُونَ} فقال: بلى ربنا! نصبِر ونحتسب.
وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابراً عليه ، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر.