روي أنهم كانوا يأكلون من هذه البيوت المذكورة دون استئذان ويستصحبون معهم العمي والعرج والمرضى ليطعموهم.. الفقراء منهم.. فتحرجوا أن يطعموا وتحرج هؤلاء أن يصحبوهم دون دعوة من أصحاب البيوت أو إذن. ذلك حين نزلت: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} فقد كانت حساسيتهم مرهفة. فكانوا يحذرون دائماً أن يقعوا فيما نهى الله عنه ، ويتحرجون أن يلموا بالمحظور ولو من بعيد.
فأنزل الله هذه الآية ، ترفع الحرج عن الأعمى والمريض والأعرج ، وعن القريب أن يأكل من بيت قريبه. وأن يصحب معه أَمثال هؤلاء المحاويج. وذلك محمول على أن صاحب البيت لا يكره هذا ولا يتضرر به. إستناداً إلى القواعد العامة في أنه"لا ضرر ولا ضرار"وإلى أنه"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس".
ولأن الآية آية تشريع ، فإننا نلحظ فيها دقة الأداء اللفظي والترتيب الموضوعي ، والصياغة التي لا تدع مجالاً للشك والغموض. كما نلمح فيها ترتيب القرابات. فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم. بل تقول الآية: {من بيوتكم} فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج ، فبيت الابن بيت لأبيه ، وبيت الزوج بيت لزوجته ، وتليها بيوت الآباء ، فبيوت الأمهات. فبيوت الإخوة ، فبيوت الأخوات. فبيوت الأعمام ، فبيوت العمات ، فبيوت الأخوال ، فبيوت الخالات.. ويضاف إلى هذه القرابات الخازن على مال الرجل فله أن يأَكل مما يملك مفاتحه بالمعروف ولا يزيد على حاجة طعامه.. ويلحق بها بيوت الأصدقاء. ليلحق صلتهم بصلة القرابة. عند عدم التأذي والضرر. فقد يسر الأصدقاء أن يأكل أصدقاؤهم من طعامهم بدون استئذان.