فإذا انتهى من بيان البيوت التي يجوز الأكل منها ، بين الحالة التي يجوز عليها الأكل: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً} فقد كان من عادات بعضهم في الجاهلية ألا ياكل طعاماً على انفراد ، فإن لم يجد من يؤاكله عاف الطعام! فرفع الله هذا الحرج المتكلف ، ورد الأمر إلى بساطته بلا تعقيد ، وأباح أن يأكلوا أفراداً أو جماعات.
فإذا انتهى من بيان الحالة التي يكون عليها الأكل ذكر آداب دخول البيوت التي يؤكل فيها: {فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} .. وهو تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين في الآية. فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه. والتحية التي يلقيها عليه هي تحية من عند الله. تحمل ذلك الروح ، وتفوح بذلك العطر. وتربط بينهم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها..
وهكذا ترتبط قلوب المؤمنين بربهم في الصغيرة والكبيرة:
{كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} .. وتدركون ما في المنهج الإلهي من حكمة ومن تقدير..
وينتقل من تنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء ، إلى تنظيمها بين الأسرة الكبيرة.. أسرة المسلمين.. ورئيسها وقائدها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى آداب المسلمين في مجلس الرسول:
إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله. وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ؛ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله. فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ، واستغفر لهم الله.
إن الله غفور رحيم. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لوإذاً. فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ؛ ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ، والله بكل شيء عليم..