فقالت الخنساء: ضعَّفت افتخارك ، وأنزرته فِي ثمانية مواضع ، قالت: قلت لنا الجفنات ، والجفنات ما دون العشر ، ولو قلت الجفان لكان أكثر ، وقلت: الغر ، والغرة البياض فِي الجبهة ، ولو قلت البيض لكان أكثر اتساعًا. وقلت: يلمعن ، واللمعان شيء يأتي بعد الشيء ، ولو قلت: يشرقن لكان أكثر ؛ لأنَّ الإشراق أدوم من اللمعان ، وقلت: بالضحى ، ولو قلت بالدجى لكان أبلغ فِي المديح ؛ لأن الضيف أكثر طروقًا بالليل ، وقلت: أسيافنا ، والأسياف دون العشرة ، ولو قلت سيوفنا لكان أكثر ، وقلت: يقطرن ، فدلَّلت على قلة القتل ، ولو قلت: يجرين لكان أكثر لأنصباب الدم ، وقلت دمًا ، والدماء أكثر من الدم ، وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدوك اهـ1.
سقنا ذلك الخبر ، وهو صورة لما كان عليه الذوق البياني ، وإن كان هنالك شك فِي روايته ، فإنّه يدل على أن روح النقد بالذوق المرهف كان مشهورًا بين العرب وكثيرًا.
هامش إعجاز القرآن للرافعي ص255.