ولنترك الكلمة للقاضي عياض المتوفَّى سنة 544هـ يصف بيانهم فِي كتابه الشفاء ، فهو يقول:"خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم ، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان ، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب ، وجعل الله لهم ذلك طبعًا وخلقة ، وفيهم غريزة وقوة ، يأتون منه على البديهة بالعجب ، ويدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون بديهًا فِي المقامات وشديد الخطب ، ويرتجزون به بين الطعن والضرب ، ويمدحون ويقدحون ، ويتوسلون ويتوصلون ، ويرفعون ويضعون ، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال ، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآلئ ، فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون الإحِن ، ويهيجون الدِّمَن ، ويجرئون الجبان ، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل والقول الفصل ، والكلام الفخم والطبع"
الجوهري ، والمنزع القوي ، ومنهم الحضري - أي: ساكن المدن - ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرُّف فِي القول القليل الكلفة ، الكثير الرونق ، والرقيق الحاشية"إلى آخر ما ذكره عياض فِي بيان بلاغة العرب ، ومقدار إدراكهم لجمال الكلمات فِي رنينها ، كما يدرك الصيرفي رنين الحلى الكريمة غير الزائفة ، من بين ما يعرض له."
تلك كانت حال العرب فِي جاهليتهم ، كانت جهلًا بالدين مع بقايا ملة إبراهيم ، وليسوا جهالًا فِي البيان ومعرفة أسرار البلاغة ، يدركونه بلحظ الحال ، لا بإمعان عقل وطول تفكير ، يدركونه بنغماته ومعانيه فِي لمح الفكر من غير طول المكث.