ولو أنَّك وازنت بين العرب وغيرهم مِمَّن هم فِي مثل حالهم من البداوة الغالبة ، لوجدتهم فِي السماك الأعزل ، وغيرهم فِي الحضيض الأوهد ، فلا يزال الحاضرون من غير العرب يجدون فِي شعر زهير بن أبي سلمى حكمة البيان الشعري ، وفي شعر امرئ القيس قوة الوصف وفورة الشباب ، وفي شعر عنترة قوة البأس ولطف التشبيب والغزل ، وفي شعر طرفة قوة النفس الثائرة ، وهكذا لو وازنت بين هذه الآثار وما بقي من شعر اليونان والرومان ، لوجدتها لا تقل عنها فِي إحكام الفكرة ، وسلامة التفكير ، ولكن تزيد عليها فِي حلاوة النغم ، وتساوق الفكر ، وتآخي الألفاظ مع المعاني.
نعم إنَّ الأدب القصص فِي اليونان كثير ، وهو خلاصة ما عندهم ولبّه ، وهو عند العرب قليل أو أقلّ من القليل ، والسبب فِي ذلك هو أنَّ هذا ثمرة الكتابة التي تتيح للكاتب فرصة التأليف وتلفيق الوقائع ، بحيث تكون كل واقعة لفق الأخرى مسلسلة معها ، فِي خيال متسق ، وهكذا.
أمَّا العرب الذين غلبت عليهم الأمية مع تذوّق القول ، وتخيّر خيره ، واستهجان هجينه ، فإنَّ أدبهم يكون باللمح السريع ، والنظر الخاطف أحيانًا ، والمستبصر المتدبر فِي أكثر الأحيان عند الذين أوتوا فكرًا وعقلًا وإدراكًا ، وفي الجملة لا وسط بين كلامهم وجنانهم ، ولا زمن مستغرق بين خاطرهم وقولهم ، فتكون خيالاتهم فيها جمال اللمح ، وقوة اللحظ ، وسرعة الإدراك.
27 -ولذلك أجمع المؤرخون فِي القديم والحديث على أن العرب لهم مآثر فِي البيان ، وذوق الكلام ، والتفريق بين كريمه وسقيمه ، وجميله وهجينه.