بلغ السيل الزبى، وهذا كالتكرير للتحديد والتأكيد له، ولذا ترك العطف وجعل المتعلق الارتياب لتقدمه مما لا ارتياب فِي تأخره لأن الارتياب من قبيل التصور الذي لا يجري فيه صدق ولا كذب، والقول بأن المراد: إن كنتم صادقين فِي احتمال أنه كذا مع ما فيه من التكلف لا يجدي نفعاً لأن الاحتمال شك أيضاً، ومن التكلف بمكان قول الشهاب: إن المراد من النظم الكريم الترقي فِي إلزام الحجة، وتوضيح المحجة، فالمعنى إن ارتبتم فأتوا بنظيره ليزول ريبكم ويظهر أنكم أصبتم فيما خطر على بالكم وحينئذ فإن صدقت مقالتكم فِي أنه مفتري فأظهروها ولا تخافوا هذا، ووجه ملائمة الآية لما قلناه فِي الآية السابقة أنه سبحانه وتعالى أمرهم بالاستعانة إما حقيقة أو تهكماً بكل ما يعينهم بالإمداد فِي الإتيان فِي المثل أو بالشهادة على أن المأتي به مثل ولا شك أن ذلك إنما يلائم إذا كانوا مأمورين بالإتيان بالمثل بخلاف ما إذا كان المأمور واحداً منهم فإنهم باعثون له على الإتيان فالملائم حينئذ نسبة الشهداء إليه لأنهم شهداء له، وإن صح نسبته إليهم باعتبار مشاركتهم إياه فِي تلك الدعوى بالتحريك والحث والقول بأنهم مشاركون للمأتي منه فِي دعوى المماثلة ليس بشيء لأنه شهادة على المماثلة ثم ترجيح رجوع الضمير للمنزل يقتضي ترجيح كون الظرف صفة للسورة أيضاً، وقد أورد ههنا أمور طويلة لا طائل تحتها. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 195 - 197}
وقولُه تعالى: {وادعوا شهداءكم من دون الله} معطوف على {فأتوا بسورة} أي ائتوا بها وادعوا شهداءكم.
والدعاء يستعمل بمعنى طلب حضور المدعو، وبمعنى استعطافه وسؤاله لفعل ما، قال أبو فراس يخاطب سيف الدولة ليفديه من أسر ملك الروم:
دَعَوْتُك للجفن القريح المسهد ... لديّ وللنوم الطريد المشرد