فإن قيل هل يمكن حمل اللفظ عليهما معاً وبتقدير التعذر فأيهما أولى ؟ قلنا أما الأول فممكن لأن الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة فيمكن جعله مجازاً عن المعين والناصر ، وأوثانهم وأكابرهم مشتركة فِي أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصاراً لهم وأعواناً ، وإذا حملنا اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه وأما الثاني فنقول: الأولى حمله على الأكابر ، وذلك لأن لفظ الشهداء لا يطلق ظاهراً إلا على من يصح أن يشاهد ويشهد فيتحمل بالمشاهدة ويؤدي الشهادة ، وذلك لا يتحقق إلا فِي حق رؤسائهم ، أما إذا حملناه على الأوثان لزم المجاز ، فِي إطلاق لفظ الشهداء على الأوثان أو يقال: المراد وادعوا من تزعمون أنهم شهداؤكم ، والإضمار خلاف الأصل ، أما إذا حملناه على الوجه الأول صح الكلام ، لأنه يصير كأنه قال: وادعوا من يشهد بعضكم لبعض لاتفاقكم على هذا الإنكار.
فإن المتفقين على المذهب يشهد بعضهم لبعض لمكان الموافقة فصحت الإضافة فِي قوله شهداءكم ، ولأنه كان فِي العرب أكابر يشهدون على المتنازعين فِي الفصاحة بأن أيهما أعلى درجة من الآخر ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن حمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.
أما (دون) فهو أدنى مكان من الشيء ومنه الشيء الدون ، وهو الحقير الدني ، ودوَّن الكتب إذا جمعها لأن جمع الشيء أدناه بعضه من بعض ويقال: هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلاً ، ودونك هذا ، أصله خذه من دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر ثم استعير هذا اللفظ للتفاوت فِي الأحوال ، فقيل زيد دون عمرو فِي الشرف والعلم ، ثم اتسع فيه فاستعمل فِي كل ما يجاوز حداً إلى حد ، قال الله تعالى: