ولا يتعارض قولهم هنا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ مع آيات أخرى ذكرت بأنهم يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً وبأنهم ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كما في قوله - تعالى - . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ ... .
لأن كل فريق منهم قد أخبر بما تبادر إلى ذهنه، فبعضهم قال: لبثنا عشرا، وبعضهم قال:
لبثنا يوما أو بعض يوم، وبعضهم أقسم بأنه ما لبث في الدنيا غير ساعة.
وهذا يدل على أن أهوال العذاب، قد أنستهم ما كانوا فيه في الدنيا من متاع، وما انغمسوا فيه من شهوات ...
والاستفهام في قوله - تعالى -: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ... للإنكار والنفي.
والحسبان هنا: بمعنى الظن. والفاء معطوفة على محذوف مقدر. والعبث: اللعب وما لا فائدة فيه من قول أو فعل.
أي: أغرتكم الدنيا، وغفلتم عن مصيركم، فحسبتم أنما خلقناكم عبثا لا لحكمة تقتضيها إرادتنا من خلقكم، وحسبتم كذلك أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ يوم القيامة للحساب والجزاء.
إن جزاء هذا الحسبان الباطل، هو هذا المصير المهين الذي تصطلون بناره اليوم. ثم نزه - سبحانه - ذاته عن أن يكون قد خلقهم عبثا فقال: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ....
أي: فتعاظم وتقدس عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، الله الملك الحق، فهو - عز وجل - منزه عن أن يخلق الناس بدون حكمة أو غرض صحيح.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فإن كل ما عداه مخلوق له، وهو - سبحانه - رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ.
ثم هدد - سبحانه - كل من يعبد غيره أشد تهديد فقال: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي: ومن يدع مع الله - تعالى - إلها آخر في عبادته أو مناجاته أو أقواله، أو أفعاله ...
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ أي: لا دليل له على هذه العبادة، وليس لهذه الجملة الكريمة مفهوم مخالفة، بل هي صفة مطابقة للواقع، لأن كل عابد لغير الله، لا دليل له على هذه العبادة إطلاقا، إذ العبادة لا تكون إلا لله - تعالى - وحده.
فذكر هذه الجملة لإقرار الواقع وتأكيده، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق.