وقد جاء في الأثر أنهم بعد أَن يقول الله لهم ذلك لا ينبسون بكلمة، وما هو إلّا الزفير والشهيق في نار جهنم، ثم عقب الله زجرهم عن الكلام ببيان سببه بقوله:
109 - {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِين} :
هذه الآية مستأنفة لتعليل نهيهم عن التماسهم الرجعة إلى الدنيا.
والمعنى: اسكتوا عن دعائى ملتمسين الرجعة إلى الدنيا، لأنه كان جماعة من عبادى المؤمنين يقولون: ربنا آمنا بما أنزلته على رسلك، فاغفر لنا سيئاتنا، وارحمنا بغفرانك وحسن ثوابك , فأنت أَرحم الراحمين وخيرهم أجمعين، فلم يرضكم ذلك منهم.
110 - {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} :
أي: أنكم لم تكتفوا بكفركم، فاتخذتم هؤلاء المؤمنين المستغفرين المسترحمين هدفًا لسخريتكم، تشفيًا منهم واستهزاء بهم، وواظبتم على ذلك حتى أنسوكم تذكرى والخوف من عقابى , فاشتغلتم بإهانتهم عن النظر في عاقبتها وسوء جزائها عندى، وكنتم منهم تضحكون مبالغة في السخرية بهم.
111 - {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} :
في هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى أَجر المؤمنين الصابرين، وانتقامهم بإيذاء الكافرين لهم.
والمعنى: إني جزيت المؤمنين اليوم في الآخرة، بسبب صبرهم على إيذاء الكافرين وسخريتهم - جزيتُهم - بأَنهم هم الفائزون بنعيم الجنة دون المستهزئين، الذين أذللتهم في نار الجحيم، ولنعم عقبى الصابرين.
وقد بين الله في سورة المطففين، أن المؤمنين يثأرون لأنفسهم في الجنة، فقال سبحانه:
{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} :
أي: هل جوزى الكفار على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا، بِضحِك المؤمنين استهزاءً بهم وهم على الأرائك في الجنة ينظرونهم يتقلبون في نار جهنم.