{وَإِنْ أَدْرِي} أي: ما أدري، وما أعلم {أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} ؛ أي: ما أعلم جواب أقريب ما توعدون به، من غلبة المسلمين وظهور الدين، أو الحشر مع كونه آتيًا لا محالة، أم بعيد هو، ولا جرم أن العذاب والذلة يلحقكم لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه، ولا بعده؛ لأن الله لم يطلعني على ذلك.
و {إِنْ} : نافية. و {أَدْرِي} معلّقة، والجمة الاستفهامية في موضع نصب بـ {أَدْرِي} ، وتأخر المستفهم عنه، لكونه فاصلة، إذ لو كان التركيب: أقريب ما توعدون أم بعيد، لم تكن فاصلة، وكثيرًا ما يرجح الحكم في الشيء، لكونه فاصلة آخر آية ذكره في"البحر".
ومعنى الآية: أي فإن أعرضوا عن توحيد المعبود، فقل لهم، يا محمد: إني أعلمتكم بأني محارب لكم، على إعلان، ولكن لا أدري متى يأذن لي ربي في محاربتكم، فتبين بهذا، أن السورة مكية، فإن الأمر بالجهاد كان بعد الهجرة.
وعن ابن عامر في رواية {وَإِنْ أَدْرِي} بفتح الياء في الآيتين تشبيهًا بياء الإضافة لفظًا، وإن كانت لام الفعل لا تفتح إلّا بعامل. وأنكر ابن مجاهد هذه الياء، والمعنى: أنه تعالى لم يُعْلِمْني علمه، ولم يطلعني عليه، والله هو العالم، الذي لا يخفى عليه شيء.
110 - {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ} ؛ أي: يعلم ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام، وتكذيب الآيات {وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} وتخفونه من الحسد والعداوة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وللمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرًا وقطميرًا. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعد؛ أي: لا يغيب عن علمه شيء منكم، في علانيتكم وسركم. قال بعض الكبار: كيف يخفى على الحق من الخلق خافية، وهو الذي أودع الهياكل أوصافها، من الخير والشر، والنفع والضر، فما يكتمونه أظهر مما يبدونه، وما يبدونه مثل ما يكتمونه، جل الحق أن يخفى عليه خافية.
قال في"التأويلات النجمية": {يعلم ما تجهرون} من دعاوي الإسلام والإيمان والزهد والصلاح والمعارف {وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} من الصدق والإخلاص والرياء والسمعة والنفاق