107 - {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ} يا محمد بهذا القرآن وأمثاله من الشرائع والأحكام وغير ذلك، من الأمور التي هي مناط السعادة في الدارين، في حال من الأحوال {إِلَّا} حال كونك {رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} قاطبةً في الدين والدنيا، فإن ما بعث به سبب لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن أعرض عنه واستكبر، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه فلا يُرحَم. فإن الناس كانوا في ضلالة وحيرة، فبعث الله تعالى سيدنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ، فبيَّن لهم سبيل الثواب، وأظهر الأحكام، وميَّز الحلال من الحرام، وإن كل نبي قبل نبينا، إذا كذَّبه قومه أهلكهم الله تعالى بالخسف والمسخ والغرق فالله تعالى أخّر عذاب من كذّبه إلى الموت، ورفع عذاب الاستئصال عنهم به - صلى الله عليه وسلم - فجاء رحمةً في حق الكفار بسبب تأخير عقوبتهم. وقيل: المراد بالعالمين المؤمنون خاصة، والأول أولى بدليل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} .
وفي"التأويلات النجمية": في سورة مريم بين قوله في حق عيسى - عليه السلام -: {وَرَحْمَةً مِنَّا} وبين قوله، في حق نبينا - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } فرق عظيم، وهو أنه في حق عيسى ذكر الرحمة مقيدة بحرف {مِن} ، و {مِن} للتبعض، فلهذا كان عيسى رحمة لمن آمن به، واتبع ما جاء به،
إلى أن بعث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم انقطعت الرحمة من أمته بنسخ دينه، وفي حق نبينا - صلى الله عليه وسلم - ذكر الرحمة للعالمين مطلقًا، فلهذا لا ترفع الرحمة عن العالمين أبدًا، أما في الدنيا، فبأن لا ينسخ دينه، وأما في الآخرة، فبأن يكون الخلق محتاجين إلى شفاعته، حتى إبراهيم عليه السلام فافهم جدًّا، انتهى.
108 -ثم بين سبحانه، أن أصل تلك الرحمة، هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال: {قُلْ} يا محمد لمشركي قومك {إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ} ؛ أي: ما يوحى إليّ في هذا القرآن شيء إلّا {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي: إلّا كون إلهكم إلهًا منفردًا، لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله.
وقال الشهاب: في هذه الآية قصران: