فإذا ما سارع إلى الإنفاق وسارع في الخيرات بشتى أنواعها ، فقد تحدَّى الطبيعة وسار ضدها في هذه المسألة ، وربما يميل هؤلاء الذين ابتلاهم الله بالعُقْم إلى الحقد على الآخرين ، أو يحملون ضغينة لمن ينجب ، فإذا طرحوا هذا الحقد ونظروا لأولاد الآخرين على أنهم أولادهم ، فعطفوا عليهم وسارعوا في الخيرات ، ثم توجَّهوا إلى الله بالدعاء رَغَباً ورَهَباً ، فإن الله تعالى وهو المكوِّن الأعلى يخرق لهم النواميس والقوانين ، ويرزقهم الولد من حيث لا يحتسبون .
ومعنى: {وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] يعني: راضين بقدرنا فيهم ، راضين بالعُقْم على أنه ابتلاء وقضاء ، ولا يُرفع القضاء عن العبد حتى يرضى به ، فلا ينبغي للمؤمن أنْ يتمرَّد على قدر الله ، ومن الخشوع التطامن لمقادير الخَلْق في الناس .
{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا}
ولك أن تسأل: لماذا يأتي ذِكْر السيدة مريم ضمن مواكب النبوة؟ نقول: لأن النبوة اصطفاء الله لنبي من دون خَلْق الله ، وكوْنه يصطفي مريم من دون نساء العالمين لتلد بدون ذكورة ، فهذا نوع من الاصطفاء ، وهو اصطفاء خاص بمريم وحدها من بين نساء العالمين ؛ لأن اصطفاء الأنبياء تكرَّر ، أمّا اصطفاء مريم لهذه المسألة فلم يتكرر في غيرها أبداً .
وقوله تعالى: {والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا . .} [الأنبياء: 91] يعني: عَفَّتْ وحفظتْ فَرْجها ، فلم تمكِّن منها أحداً .
ومعنى: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا . .} [الأنبياء: 91] يعني: مسألة خاصة به ، خارجة على قانون الطبيعة ، فليس في الأمر ذكورة أو انتقاء ، إنما النفخة التي نفخها الله في آدم ، فجاءت منها كل هذه الأرواح ، هي التي نفخها في مريم ، فجاءت منها روح واحدة . فالروح هي نفسها التي قال الله فيها: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي . .} [الحجر: 29] .