والله جلَّ جلاله هو الرب الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، المحيط بكل شيء، القاهر لكل شيء، رب كل شيء ومليكه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبد له، وفي قبضته، وتحت قهره: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) } [يونس: 3] .
فاجتمع العباد من الإنس والجن لله بصفة الربوبية، فهو الذي خلقهم، وهو الذي يربيهم، وافترقوا بصفة الإلهية، فألَّهه وحده السعداء، وأقروا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنه الرب الذي لا تنبغي العبادة والطاعة إلا له، وكفر به وأشرك الأشقياء.
وهنا صار الناس فريقين .. موحدين في الجنة .. ومشركين في النار كما قال سبحانه: {يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) } [الأعراف: 35، 36] .
فالدين والشرع، والأمر والنهي، مظهره وقيامه من صفة الإله سبحانه.
والخلق والإيجاد، والتدبير والتصريف، مظهره وقيامه من صفة الرب.
والجزاء بالثواب والعقاب، والجنة والنار، مظهره وقيامه من صفة الملك.
فأمر الله عباده بإلهيته .. وخلقهم ورزقهم، وأعانهم ووفقهم، وهداهم وأضلهم
بربوبيته .. وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله .. وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى.
وأما الرحمة فهي السبب الذي بين الله وبين عباده.
فالتأليه منهم له .. والربوبية منه لهم .. والرحمة سبب واصل بين الله وبين عباده .. بها أرسل إليهم رسله .. وأنزل عليهم كتبه .. وبها هداهم .. وبها أسكنهم دار ثوابه .. وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم.
فبينهم وبينه سبب العبودية .. وبينه وبينهم سبب الرحمة .. وسع سبحانه كل شيء بربوبيته ورحمته كما قال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } ... [الفاتحة: 2 - 4] .