وَكَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِثْلُ الشِّرَاكِ مِنَ الْبُكَاءِ. وَكَانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَيَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ وَيَبْقَى فِي الْبَيْتِ حَتَّى يُعَادَ لِلْمَرَضِ. وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِذَا شِئْتُمْ أَنْ يَطِيبَ الْمَجْلِسُ فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(كُلَّ يَوْمٍ مَجْدٌ وَفَخْرٌ يُشَادُ ... وَطَرِيفٌ مِنَ الْمُنَى وَتِلادُ)
(وَكِرَامٌ مِنَ الْمَسَاعِي حِسَانٌ ... عَجَزَتْ عَنْ طِلابِهَا الْحُسَّادُ)
(هِمَمٌ دُونَهَا الْكَوَاكِبُ تَتْلُو ... عَزَمَاتٍ لِلنَّارِ فِيهَا اتِّقَادُ)
(كُلَّمَا قِيلَ قَدْ دَجَى لَيْلُ خَطْبٍ ... فَلِرَأْيِ الْفَارُوقِ فِيهِ زِنَادُ)
(مُغْرَمٌ بِالْمَكَارَمِ الْغِرُّ لَمَّا ... ضُمَّ أَبْكَارُهَا إِلَيْهِ الْوِلادُ)
(سَاهِرُ الْعَيْنِ بِالْعَزَائِمِ يَقْظَانٌ ... وَقَدْ قَيَّدَ الْعُيُونَ الرُّقَادُ)
(قَدْ كَفَتْهُ الْمَنَاقِبُ الْمَدْحَ إِلا ... مَدْحَنَا مِنْ صِفَاتِهِ يُسْتَفَادُ)
مَا زَالَ الإِسْلامُ قَرِيرَ الْعَيْنِ مَا دَامَ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ. كَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ.
(وَقَبْضُ الْمَحَلِّ بِبَسْطِ رَاحِهِ ... أَعْدَى الْجَهَامُ جُودَهَا فَهَتَّنَا)
(أَوْصَافُهُ تُمْلَى عَلَى مُدَّاحِهِ ... مَا سَطَّرَ الْمَجْدُ لَهُ وَدَوَّنَا)
(إِذَا رَوَاهَا الدَّهْرُ فِي أَبْيَاتِهِ ... طَرَّبَ إِعْجَابًا بِهَا وَلَحَّنَا)
(وَإِنَّ بِهَا وَرْقَاءَ لَيْلٍ غَرَّدَتْ ... مُدَّ إِلَيْهَا كُلُّ غُصْنٍ فَنَّنَا)
كَانَ عُمَرُ بَعْدَ أَعْمَالِهِ الْجَمِيلَةِ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ: الْوَيْلُ لِعُمَرَ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ!
وَفِي الصحيحين أنه لما توفي قال علي عليه السلام: مَا خَلَّفْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ.
انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...