الحكمة فِي إخفاء وقتها ، ليكون الخلق فِي كل حين وزمان على حذر من مجيئها ، ووجل من بغتتها «1» ، فيستعدوا قبل حلولها ، ويمهدوا قبل نزولها.
ويقوى ذلك قوله سبحانه: لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [15] .
[سورة طه (20) : الآيات 21 إلى 22]
قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (22)
وقوله سبحانه: قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ ، سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى [21] وهذه استعارة. لأن المراد بالسيرة هاهنا الطريقة والعادة. وأصل السيرة مضيّ الإنسان فِي تدبير بعض الأمور على طريقة حسنة أو قبيحة. يقال: سار فلان الأمير فينا سيرة جميلة. وسار بنا سيرة قبيحة. ولكن موسى عليه السلام لما كان يصرف عصاه - قبل أن تنقلب «2» حية - فِي أشياء من مصالحه ، كما حكى سبحانه عنه بقوله: هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها ، وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي «3» وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (18) ثم قلبت حية ، جاز أن يقول تعالى: سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى أي إلى الحال التي كنت تصرفها معها فِي المصالح المذكورة ، لأن تصرفها فِي تلك الوجوه كالسيرة لها ، والطريقة المعروفة منها.
والمراد: سنعيدها إلى سيرتها الأولى. فانتصبت السيرة بإسقاط الجار «4» .
وقوله سبحانه: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [22] وهذه استعارة. والمراد بها - واللّه أعلم - وأدخل يدك فِي قميصك مما يلى إحدى جهتى يديك.
وسميت تلك الجهتان جناحين ، لأنهما فِي موضع الجناحين من الطائر. ويوضح عما ذكرنا قوله سبحانه فِي مكان آخر: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ «5» والجيب فِي جهة إحدى اليدين.
(1) فِي الأصل: بعثتها ، وهو تحريف من الناسخ.
(2) فِي الأصل: (تعلب) وهي تحريف.
(3) سورة طه. الآية رقم 18.
(4) إذا نزع الخافض ، أو سقط الجار انتصب الاسم بعده بدلا من جره.
(5) سورة النمل. الآية رقم 12.