قوله تعالى {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْداً} كل مزين بأنوار الربوبية فهو تحته بنعت العبودية فمن شاهد أنوار الربوبية عرف محل الربوبية والعبودية فإذا فنى العبودية في الربوبية بقى الربوبية وصف المتصف بها فيرى نفسه بزينة نور الحق فيدعى من مباشرة شكر التوحيد ونور الأزلية بدعوى الانائية فإذا كان يوم القيامة رجع أنوار الربوبية إلى معدنها وبقى الكل عريانا منها ملبسين بذل العبودية حتى يرجى عليهم طوارق غيرة الحق هذا إذا يمضى حكم الغيرة ويدل عليه قوله تعالى {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} أي فردا عن دعوى الانائية والمعرفة وبقى فردا في حقيقة القهر عند فردانية الحق فانفرد الحق حتى اتصف بالفردانية واتحد بالوحدانية فيرجع إلى ما كان فيه من إظهار الربوبية والألوهية فيشهد العارف مشاهد الوصلة فيحويه أنوار الدنو فيسكن بجمال الحق فيدعى هناك بلسان الأزل والأبد دعوى الأزل والأبد ويا صادق كلهم في حجاب هاهنا عنه ما داموا في الحجاب يميلون إلى مأمول سوى الله من الثواب والنجاة من العقاب فإذا شهدوا مشاهدة جماله سقط عنهم مراداتهم ويخلصوا عن علة رق النفوسية وصاروا عبيدا له محققين مخلصين في محبته ومشاهدته حيث لا يبقى إلا وجهه قال تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} قال جعفر في قوله {آتِي الرَّحْمَانِ عَبْداً} فقيرا ذليلاً بأوصافه أو عزيزا دالا بأوصاف الحق قال أبو بكر الوراق ما تقرب أحد إلى ربه بشيء ازين عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار لأن ملازمة العبودية تورث دوام الخدمة وإظهار الافتقار إليه يوجب دوام الالتجاء والتضرع قال رجل لإبراهيم ادهم أنت عبد قال نعم فقال له عبد من فأراد أن يقول عبد من فغشى عليه فلما افاق قال {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} الآية.