قوله تعالى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} أي اذكر ما بيني وبين كليمى من سماع الكلام ومشاهدة التجليّ وشوقه ومحبته وإخلاصه في عبوديته وإخلاصه كان في البحر عند وقوع الامتحان قوله كلا أن معى ربى قال الترمذى المخلص على الحقيقة مثل موسى ذهب إلى الخضر ليتادب به ولم يسامحه في شيء فظهر له منه ومما كان يفعله حتى اوقفه على العذر فيه وهذا من تمام إخلاصه ثم أخبر سبحانه عما بينه وبين كليمه من الأسرار والمناجاة بقوله {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} ناداه بوسائط الطور والشجرة في البداية وقربه ناجيا من رؤية جلاله واسمعه كلامه الصرف بلا واسطة وكان التجلى أيضا في الابتداء بواسطة الشجرة والطور فلما قربه من بساط المجد والكبرياء ارى وجهه جل جلاله وروحه وقلبه وسره وجميع وجوده بنعت الشهود والمكاشفة النداء بداية والنجوى نهاية النداء مقام الشوق والنجوى مقام كشف السر وقال الجنيد في قوله وقربناه نجيا جعلناه من العالمين بنا والمخبرين عنا بالصدق والحقيقة وقال رويم كشفنا عن عسره ما كان مغطى عليه من أنواع القرب والزلف وَاَذِنّا له في الاخبار عنا وقال بعضهم ناديناه للمحادثة والمكالمة والمناجاة وقال الأستاذ للنجوى مزية على النداء فجمع له الوصفين النداء في بدايته وقت السماع والنجوى في نهايته فوقفه الحق وناداه ثم قربه وناجاه وفي جميع الحالتين تولاه ثم من كمال كرمه وهب لموسى اخاه هارون بقوله {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} علم الحق سبحانه أن جميع الخلق لم يحتملوا ما في صدر موسى من عظيم صفاته وذاته وملكه وملكوته فجعل لهارون موضع سر موسى حتى لا يكون ذائبا تحت اثقال تلك الأسرار وهذا رحمة من الله عليه.