«فَإِنْ قِيلَ» : إن مضرة الخوف أشدّ من مضرة الجوع والعطش لأن الخوف ألم الروح، والجوع ألم البدن، وألم الروح أقوى من ألم البدن، روي أنه أجيعت شاة فقدّم إليها علف وعندها ذئب فبقيت الشاة مدّة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها خوفاً من الذئب، ثم كسر رجلها وقدم إليها العلف فتناولت العلف مع ألم البدن فدل ذلك على أن ألم الخوف أشدّ من ألم البدن، وإذا كان كذلك فلم قدّم ضرر الجوع والعطش على دفع ضرر الخوف؟
أجيب: بأنَّ هذا الخوف كان قليلاً لأنّ بشارة جبريل عليه السلام كانت قد تقدّمت فما كانت تحتاج إلا إلى التذكير مرة أخرى.
وقيل: قرّي عيناً بولدك عيسى، وقيل: بالنوم فإنّ المهموم لا ينام.
{ياأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ}
أي: زانياً {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي: زانية فمن أين لك هذا الولد لأنّ هذا القول ظاهره التوبيخ.
وفي هارون هذا أربعة أقوال:
أحدها: أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح والمراد أنك كنت في الزهد كهارون فكيف صرت هكذا؟
وروي أنَّ هارون هذا لما مات تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل تبركاً باسمه، سوى سائر الناس شبهوها به على معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح وليس المراد منه الأخوّة في النسب كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (الإسراء: 27)