فكذا هاهنا، وقال بعضهم: النافخ جبريل لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام: {لأًّهَبَ لَكِ} على أحد القراءتين أنه النافخ، واختلف في كيفية نفخه فقيل: إن جبريل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبها فحملت حين لبسته.
وقيل: مدّ إلى جيب درعها أصابعه ونفخ في الجيب.
وقيل: نفخ في كمّ قميصها.
وقيل: في فيها.
وقيل: نفخ جبريل نفخاً من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت بعيسى في الحال.
وقيل: نفخ في ذيلها فدخلت النفخة في صدرها فحملت.
{قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) }
أي: شيئاً من شأنه أن يطرح وينسى {مَّنسِيّاً} أي: متروكاً بالفعل لا يخطر على بالٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم قالت ذلك مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام إليها ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين؟.
أجيب عن ذلك بأجوبة: الأول: أنها تمنت ذلك استحياء من الناس فأنساها الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى.
الثاني: أنَّ عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك كما روي عن أبي بكر رضي اللّه عنه أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تقع على الشجر وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ينقرها الطائر، وعن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئاً، وعن علي رضي اللّه عنه يوم الجمل: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه.
فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.
الثالث: لعلها قالت ذلك لئلا يقع في المعصية من يتكلم فيها وإلا فهي راضية بما بشرت به.
{فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً}
أي: وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنها، وقدّم الأكل على الشرب لأن حاجة النفساء إلى الرطب أشدّ من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدم.