وَقَوْلُهُ: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}
يَقُولُ: فَخَرَجَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، وَعَدَلَ عَنْهُ وَمَالَ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ:
[البحر الرجز]
يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرَا ... فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا
يَعْنِي بِالْفَوَاسِقِ: الْإِبِلَ الْمُنْعَدِلَةَ عَنْ قَصْدِ نَجْدٍ، وَكَذَلِكَ الْفِسْقُ فِي الدِّينِ إِنَّمَا هُوَ الِانْعِدَالُ عَنِ الْقَصْدِ، وَالْمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ. وَيُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ مِنْ قِشْرِهَا: إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ، وَفَسَقَتِ الْفَأْرَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ جُحْرِهَا.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا قِيلَ: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} لِأَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّهِ أَمْرَ اللَّهِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أُتْخِمْتُ عَنِ الطَّعَامِ، بِمَعْنَى: أُتْخِمْتُ لَمَّا أَكَلْتُهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: عَدَلَ وَجَارَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَخَرَجَ عَنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ: مَعْنَى الْفِسْقِ: الِاتِّسَاعُ. وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فِسْقٌ فِي النَّفَقَةِ: بِمَعْنَى اتَّسَعَ فِيهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفَاسِقُ فَاسِقًا، لِاتِّسَاعِهِ فِي مَحَارِمِ اللَّهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} قَالَ: فِي السُّجُودِ لِآدَمَ
وَقَوْلُهُ: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَتُوَالُونَ يَا بَنِي آدَمَ مَنِ اسْتَكْبَرَ عَلَى أَبِيكُمْ وَحَسَدَهُ، وَكَفَرَ نِعْمَتِي عَلَيْهِ، وَغَرَّهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِ عَيْشِهِ فِيهَا إِلَى الْأَرْضِ وَضَيَّقَ الْعَيْشَ فِيهَا، وَتُطِيعُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَعَ عَدَوَاتِهِ لَكُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَتَتْرُكُونَ طَاعَةَ رَبِّكِمُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَأَكْرَمَكُمْ، بِأَنْ أَسْجَدَ لِوَالِدِكُمْ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّاتِهِ، وَآتَاكُمْ مِنْ فَوَاضِلِ نِعَمِهِ مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ، وَذُرِّيَّةُ إِبْلِيسَ: الشَّيَاطِينُ الَّذِينَ يُغْرُونَ بَنِي آدَمَ.