وقوله في هذه الآية الكريمة: {فترى المجرمين} تدم معنى مثله في الكلام على قوله: {وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت} [الكهف: 17] الآية. والمجرمون: جمع المجرم ، وهم اسم فاعل الإجرام. والإجرام: ارتكاب الجريمة ، وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبة عليه النكال. ومعنى كونهم"مشفقين مما فيه": أنهم خائفون مما في ذلك الكتاب من كشف أعمالهم السيئة ، وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد ، وما يترتب على ذلك العذاب السرمدي. وقولهم {ياويلتنا} الويلة: الهلكة ، وقد نادوا هلتكهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات فقالوا: يا ويلتنا! أي يا هلكتنا احضري فهذا أوان حضورك! وقال أبو حيان في البحر: المراد من بحضرتهم: كلا أنهم قالوا: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. وكذا ما جاء من نداء ما لا يعقل كقوله {ياأسفا عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] ، {ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله} [الزمر: 56] ، {ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} [يس: 52] ، وقوله: يا عجباً لهذه الفليقة ، فيا عجباً من رحلها المتحمل ، إنما يراد به تنبيه من يعقل بالتعجب مما حل بالمنادى انتهى كلام أبي حيان. وحاصل ما ذكره: أن أداة النداء في قوله"ياويلتنا"ينادة لها محذوف ، وأن ما بعدها مفعول فعل محذوف ، والتقدير كما ذكره: يما من يحضرتنا انظروا هلكتنا. ومعلوم أن حذف المنادى مع إثبات أداة النداء ، ودلالة القرينة على المنادى المحذوف مسموع في كلام العرب.
منه قول عنترة في معلقته:
يا شاة ما قنص لمن حلت له... حرمت على وليتها لم تحرم
يعنيك يا قوم انظروا شاة قنص. وقول ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دارمي على البلا... ولا زال منهلا بجرعائك القطر