وقوله في هذه الآية الكريمة: {وحشرناهم} أي جمعناهم للحساب والجزاء. وهذا الجم المعبر عنه بالحشر هنا - جاء مذكوراً في آيات أخر ، كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} [الواقعة: 49 - 50] ، وقوله تعالى: {الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة} [النساء: 87] الآية ، وقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع ذَلِكَ يَوْمُ التغابن} [التغابن: 9] ، وقوله تعالى: {ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103] . وقوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} [الأنعام: 22] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات.
وبين في مواضع آخر - أن هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات ، وهوقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .
وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي لم نترك. والمغادرة: الترك. ومنه الغدر. لأنه ترك الوفاء والأمانة. وسمي الغدير من الماء غديراً ، لأن السيل ذهب وتركه. ومن المغادرة بمعنى الترك قول عنترة في مطلع معلقته:
هل غادر الشعراء من متردم... أم هل عرفت الدار بعد توهم
وقوله أيضاً:
غادرته متعفراً أوصاله... والقوم بين مجرح ومجدل
وما ذكره في هذه الآية الكريمة - من أنه حشرهم ولم يترك منهم أحداً - جاء مبيناً في مواضع أخر ، كقوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} [الأنعام: 22] الآية ، ونحوها من الآيات ، لأن حشرهم جميعاً هومعنى أنه لم يغادر منهم أحداً.
قوله تعالى: {وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً} .