(كبرت كلمة) قال الفراء: كبرت تلك الكلمة كلمة. وقال الزجاج: كبرت مقالتهم كلمة، والمراد بهذه الكلمة هي قولهم اتخذ الله ولداً، ومعنى الكلام على التعجب أي ما أكبرها كلمة، ثم وصف الكلمة بقوله (تخرج من أفواههم) وفائدة هذا الوصف استعظام اجترائهم على التفوه بها، وكثيراً ما يوسوس الشيطان في قلوب الناس من المنكرات ما لا يتمالكون أن يتفوهوا به، بل يكظمون عليه فكيف بمثل هذا المنكر.
والخارج من الفم وإن كان مجرد الهواء لكن لما كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء أسند إلى الحال ما هو من شأن المحل أو المعنى هذا الذي
يقولونه لا تحكم به عقولهم وفكرهم البتة لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنه يجري على لسانهم على سبيل التقليد.
ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال (إن) أي ما (يقولون إلا) قولاً (كذباً) لا مجال للصدق فيه بحال. ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله
(فلعلك باخع نفسك) قال الأخفش والفراء: البَخْع الجهد، وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا أنهكها وقال أبو عبيدة: معناه مهلك نفسك أو مضعفها أو مهلكها، والمقصود من هذا الترجي النهي، أي لا تبخع نفسك من أجل غمك على عدم إيمانهم، أي لا تغتم لئلا تهلك نفسك.
وفي السمين ولعل قيل للإشفاق على بابها وقيل للاستفهام وهو رأي الكوفيين، وقيل للنهي (على آثارهم) أي على فراقهم من بعد توليهم عنك وإعراضهم أو هلاكهم (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث) أي القرآن (أسفاً) أي غيظًا وحزناً. قاله قتادة. وقال مجاهد: جزعاً ونصبه على المفعول له وجواب إن محذوف دل عليه الترجي تقديره فلا تحزن، وهذا عند الجمهور وعند غيرهم هو جواب متقدم.