والثاني: تجلى ما استودع الحق في النفوس في الأحكام الخفية علمها على الخلق
المنفرد به الحق ويكشف ذلك لأهل التخصيص من الصديقين والأولياء بعد الأنبياء
صلوات الله عليهم. كما قال أبو بكر الصديق: رضي الله عنه إنما هما أخواك وأختاك.
والثالث: ذكر اطلاع القلوب عندما انكشف له من الغيب البعيد ما فيه، وهذا
مقرون بالإلهام. كما قال عمر رضي الله عنه"يا سارية الجبل".
وقال: إنما حذر النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله"اتقوا فراسة المؤمن طائفة هم قائمون بأحكام"
نفوسهم أن يتقوا طائفة هم خارجون عن أحكام نفوسهم بما كساهم الله تعالى من نوره
فصاروا بذلك ناظرين مشرقين على أهل الظلمة لأن الظلمة لا يصادف بها الظلمة.
قال بعضهم: صفة المتفرس من صفى الحق روحه بطهارة قدسه وذكى قلبه بأنوار
هدايته فتقسم روحه بخفى ما استودع الحق خفيات الوجود فذلك النور والحكم يسمى
فراسة.
قال بعضهم: الفراسة إدراك الشيء على حقيقته لا يزول ولا يغير لأن الناظر إذا نظر
بالحق أخبر عن حقيقة.
سئل الحسين عن الفراسة: فقال: حق نظر برياه فخبر عن حقيقة ما هو إياه بإياه.
سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الخلدي يقول: سمعت أبا حفص الحداد
يقول: الفراسة هي أول خاطر بلا معارض فإن عارض معارض من جنسه فهو خاطر،
وحديث نفسي.
قال أبو حفص: ليس لأحد أن يرعى لنفسه الفراسة، ولكن يجب أن تتقي من
فراسة الغير فيه لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:"اتقوا فراسة المؤمن"، ولم يتفرسوا في
المؤمنين.
وسئل أبو عثمان عن الفراسة. فقال: آيات الربانية تظهر في أسرار العارفين، فتنطق
ألسنتهم بذلك، فيصادف الحق.
قوله عز وجل: (فاصفح الصفح الجميل)
الحجر: (85) وما خلقنا السماوات) [الآية: 85] .
قال بعضهم: صفح لا توبيخ، ولا حقد بعده، الرجوع إلى ما كان قبل ملابسته
المخالفة.
أخبرنا أبو بكر الرازي قال حدثنا جعفر الخلدي حدثنا ابن مسروق حدثنا حسن بن
مواتا الثعلبي حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن
الحنفية عن علي في قوله: (فاصفح الصفح الجميل) قال هو الرضا بلا عتاب.
قوله عز وجل: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني)