95 -ولمَّا كان هذا الصدع شديدًا عليه، لكثرة ما يلاقيه من أذى المشركين. ذكر أنه حارسه وكالئه منهم، فلا يخشى بأسهم فقال: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) } ؛ أي: إنا كفيناك يا محمد شر المستهزئين وضررهم، الذين يسخرون منك ومن القرآن، وهم طائفة من المشركين لهم قوةٌ وشوكةٌ، كانوا كثيري السفاهة والأذى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حين يرونه أو يمر بهم، أفناهم الله تعالى، وأبادهم وأزال كيدهم، وقد اختلف في عدتهم، فقوم يقولون: هم خمسة الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعديُّ بن قيس، والأسود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب، وقد ماتوا جميعًا بأهون الأسباب، فتعلق بثوب الوليد سهم فتكبر أن يبعده، فأصاب عرقًا في عقبه فمات، ومات العاص بشوكةٍ في أخمص قدمه، وأصاب عديَّ بن قيس مرضٌ في أنفه فمات، وأصيب الأسود بن عبد يغوث بداءٍ وهو قاعدٌ في أصل شجرةٍ، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، وعمي الأسود بن عبد المطلب. وقوم يقولون: هم سبعةٌ من أشراف قريش ومشركيها.
96 -ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال: {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} ؛ أي: هم الذين اتخذوا مع الله إلهًا آخر، يعبدونه من دون الله تعالى، وفي وصفهم بهذا الوصف تسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وتهوينٌ للخطب عليه، إذ أنهم لم يقتصروا على الاستهزاء بمقام النبوة، بل تعدوا إلى الإشراك بربهم المدبر لأمورهم، والمحسن إليهم، ثم توعدهم على ما كانوا يصنعون فقال: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عاقبة أمرهم حين يحل بهم عذاب ربهم، يوم تجزى كل نفس بما عملت، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.