الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ يَا مُحَمَّدُ، الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ وَيَسْخَرُونَ مِنْكَ، فَاصْدَعْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا تَخَفْ شَيْئًا سِوَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيَكَ مَنْ نَاصَبَكَ وَآذَاكَ كَمَا كَفَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْمُسْتَهْزِئِينَ قَوْمًا مِنْ قُرَيْشٍ مَعْرُوفِينَ.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"كَانَ الْمُسْتَهْزِئُونَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَأَبُو زَمْعَةَ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَيْطَلَةَ، فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى رَأْسِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ: «مَا صَنَعْتَ شَيْئًا» ، قَالَ: كُفِيتَ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَخْمَصِ الْعَاصِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا صَنَعْتَ شَيْئًا» فَقَالَ: كُفِيتَ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِ أَبِي زَمْعَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا صَنَعْتَ شَيْئًا» ، قَالَ: كُفِيتَ، وَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى رَأْسِ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْ لِي خَالِي» فَقَالَ: كُفِيتَ، وَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى بَطْنِ الْحَارِثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا صَنَعْتَ شَيْئًا» فَقَالَ: كُفِيتَ، قَالَ: فَمَرَّ الْوَلِيدُ عَلَى قَيْنٍ لِخُزَاعَةَ وَهُوَ يَجُرُّ ثِيَابَهُ، فَتَعَلَّقَتْ بِثَوْبِهِ بَرْوَةٌ أَوْ شَرَرَةٌ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ نِسَاءٌ، فَجَعَلَ يَسْتَحِي أَنْ يَطَأَ مَنْ يَنْتَزِعُهَا، وَجَعَلَتْ تَضْرِبُ سَاقَهُ فَخَدَشَتْهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا حَتَّى مَاتَ. وَرَكِبَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ بَغْلَةً لَهُ بَيْضَاءَ إِلَى حَاجَةٍ لَهُ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ، فَذَهَبَ يَنْزِلُ، فَوَضَعَ أَخْمَصَ قَدَمِهِ عَلَى شِبْرِقَةٍ فَحَكَّتْ رِجْلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُكَّهَا حَتَّى مَاتَ. وَعَمِيَ أَبُو زَمْعَةَ، وَأَخَذَتِ الْأَكَلَةُ فِي رَأْسِ الْأَسْوَدِ، وَأَخَذَ الْحَارِثَ الْمَاءُ فِي بَطْنِهِ"
وَقَوْلُهُ: {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}
وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَتَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ كَفَاهُ أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا كَفَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ السَّاخِرِينَ مِنْكَ، الْجَاعِلِينَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عِنْدَ مَصِيرِهِمْ إِلَيْهِ فِي الْقِيَامَةِ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ.