وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل ، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا فيُكَذِّب بعضكم بعضاً. فقالوا: أنت فقل ، وأتم لنا به رأياً نقول به. قال: لا ، بل أنتم قولوا لأسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: ما هو بكاهن... لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون... لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا بحائحه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر.... لقد عرفنا الشعر كله ، رَجَزه وهَزَجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثه ولا بعقده. قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله حلاوة ؛ وإن عليه طلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناء ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول أن تقولوا هو ساحر ، يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته.
فتفرقوا عنه بذلك. فأنزل الله في الوليد وذلك من قوله {ذرني ومن خلقت وحيداً...} [المدثر: 11] إلى قوله {سأصليه سقر...} [المدثر: 26] وأنزل الله في أولئك النفر الذين كانوا معه {الذين جعلوا القرآن عضين} أي أصنافاً {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله {الذين جعلوا القرآن عضين} قال: هم رهط من قريش ، عضهوا كتاب الله ، فزعم بعضهم أنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأوّلين.