ثم لما نهاه عن أن يمد عينيه إلى أموال الكفار ولا يحزن عليهم ، وكان ذلك يستلزم التهاون بهم وبما معهم ، أمره أن يتواضع للمؤمنين ، فقال: {واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ، ومنه قوله سبحانه: {واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل} [الإسراء: 24] ، وقول الكميت:
خفضت لهم مني جناحي مودة... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه ، بسط جناحه ، ثم قبضه على الفرخ ، فجعل ذلك وصفاً لتواضع الإنسان لأتباعه.
ويقال: فلان خافض الجناح ، أي: وقور ساكن ، والجناحان من ابن آدم جانباه ، ومنه: {واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ} [طه: 22] ومنه قول الشاعر:
وحسبك فتنة لزعيم قوم... يمدّ على أخي سُقم جناحا
{وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين} أي: المنذر المظهر لقومه ما يصيبهم من عذاب الله {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين} قيل: المفعول محذوف ، أي: مفعول {أنزلنا} والتقدير: كما أنزلنا على المقتسمين عذاباً ، فيكون المعنى: إني أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين الذي أنزلناه عليهم ، كقوله تعالى: {أَنذَرْتُكُمْ صاعقة مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] .
وقيل: إن الكاف زائدة ، والتقدير: إني أنا النذير المبين أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين من العذاب.
وقيل: هو متعلق بقوله: {وَلَقَدْ ءاتيناك} أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون ، والأولى أن يتعلق بقوله: {إِنّى أَنَا النذير المبين} لأنه في قوّة الأمر بالإنذار.