قيله أنه حي يرزق ويسر ويستبشر ويأكل ويشرب [....] يقول فيه: حيث هذا باطن
غيب وحقيقة موجوده على ضد ما هو ظاهره، [....] هذا بخلاف الظاهر منه.
والمنزلة الثالثة: حكمها وجود الملائكة - عليهم السلام - ووجود الجن
معلوم لنا الآن ومشاهد لغيرنا، وأعلى من هذا كله وجودًا وأحق حقيقة: وجود الله
العلي، الكبير - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - فهذا حق الحق، وهو غيب، فكذلك
وجود الجنان حق بحكم التوسعة المذكورة أولاً بوجه ما، وهي موجودة بحكم
وجود الغيب الذي ظاهره خلاف باطنه الذي هو غيبه، وهي أيضًا موجودة بحكم
وجود الحق الذي كل وجود منتزع من وجوده، ونحن وإن كنا نرى سماء وأفلاكًا
وبروجًا وشمسًا وقمزا وهواء فهو حق وشرط كما أن حقيقة وجود الشهيد طعامًا
للطير والسباع حق، ووجوده حيًّا يرزق وجود حق، وقد أخبر بذلك الصادق الحق
وأقسم عليه، فهو الحق والحمد لله رب العالمين.
وأما على قراءة من قرأ:"وجعل فيها سُرُجًا"وهي الكواكب، وهي في
التأويل: الأنبياء والرسل والأولياء العلماء.
ثم قال عز من قائل: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)
من نظر في معنى هذا الخطاب فَهِم منه سر المراد، ومن بعض المفهوم منه جل
وتعالى أنها جنة الأرض، استاق ذكرها نظمًا بذكر جنة السماء، ثم ذكر بخلقه آدم
-عليه السلام - وخلقه الجنان، وذكر تعظيم ودِّه وكريم موالاته في عصمته للمجتبى عنده
وصفيِّه آدم - عليه السَّلام - وإكرامه إياه، وبما ابتدأه منه وحيث أسكنه ولِمَ أخرجه، وفي ذلك
إنه لما اهتدى وتاب إليه رده إليها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لقيت آدم في السماء الدنيا وعن يمينه أسودة وعن يساره"
أسودة ..."."
ثم ذكر بالجنة والمغفرة منه والرحمة لعباده، وأنذرهم بعذابه إن لم يطيعوه
ويؤمنوا به وبرسله، ثم ذكر بقصة إبراهيم ولوط وقومه وأصحاب الأيكة، وفي ذكر
ذلك من تكذيبهم الرسل والكتب وعيد لمن فعل فعلهم وحذا حذوهم، وتحذير