ولما كان صدعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك على حد من المشقة عظيم وإن أريح من المستهزئين ، لكثرة من بقي ممن هو على مثل رأيهم ، قال يسليه ويسخي بنفسه فيه: {ولقد نعلم} أي تحقق وقوع علمنا على ما لنا من العظمة {أنك} أي على ما لك من الحلم وسعة البطان {يضيق صدرك} أي يوجد ضيقه ويتجدد {بما يقولون} عند صدعك لهم بما تؤمر ، في حقك من قولهم: {يا أَيُّهَا الذي نزل عليه الذكر} إلى آخره ، وفي حق الذي أرسلك من الشرك والصاحبة والولد وغير ذلك {فسبح} بسبب ذلك ، ملتبساً {بحمد ربك} أي نزهه عن صفات النقص التي منها الغفلة عما يعمل الظالمون ، مثبتاً له صفات الكمال التي منها إعزاز الولي وإذلال العدو {وكن} أي كوناً جبلياً لا انفكاك له {من الساجدين} له ، أي المصلين ، أي العريقين في الخضوع الدائم له بالصلاة التي هي أعظم الخضوع له وغيرها من عبادته ، ليكفيك ما أهمك فإنه لا كافي غيره ، فلا ملجأ إلى سواه ، وعبر عنها بالسجود إشارة إلى شرفه وما ينبغي من الدعاء فيه لا سيما عند الشدائد ، فقد قال تعالى:
{واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] وروي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة - ذكره البغوي بغير سند ، وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود عن حذيفة - رضي الله عنهم - قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر صلى.
وفي سنن النسائي الكبرى ومسند أحمد عن علي - رضي الله عنهم - قال: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح.
وفي لفظ لأحمد: لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح.
ولأحمد ومسلم وأبي يعلى عن أبي هريرة - رضي الله عنهم - أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".