العليم ثم سلاه - عما يضيّقون به صدره من التكذيب بالساعة ، وأن الوعد بها إنما هو سحر ، ونحو ذلك من القول ، ومن افتخارهم بأموالهم ونسبته إلى الحاجة إلى المشي بالأسواق - بما آتاه من كنوز القرآن ، وأمره بأن يزيد في التواضع واللين للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا ، وأن ينذر الجميع ويحذرهم من سطوات الله أمثال ما أنزل بالأقدمين ، ثم عاد إليهم فشبههم بهؤلاء في التكذيب ليعلم أنهم أجدر منهم بالعذاب لأنهم مشبه بهم ، والمشبه به أعلى من المشبه ، وذلك لكونهم أشد كفراً لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر ، وأجلى وأبهر ، فيكون ذلك سبب اشتداد حذرهم ، ولك أن تقول ولعله أحسن: إنه تعالى لما ذكر أن ثمود سكنوا الأرض سكنى الآمنين.
فأزعجتهم عنها صيحه سلبت أرواحهم ، وقلبت أشباحهم ، كما سيكون لأهل الأرض قاطبة بنفخة الصور ، عند نفوذ المقدور ، وكان قد قدم ذكر كثير مما في السماوات والأرض من الآيات والعبر بقوله تعالى {ولقد جعلنا في السماء بروجاً} وما بعد ذلك من الجن والإنس وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلاً على الساعة ، أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك كله وما حواه من الخافقين إنما هو الساعة فقال {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بالأمر الثابت لا بالتمويه والسحر كما أنتم تشاهدون ، أو بسبب إقامة الحق وإبانته من الباطل إبانة لا شك فيها يوم الجمع الأكبر ، ومن إقامة الحق تنعيم الطائع وتعذيب العاصي ، وذلك بعد إتيان الساعة بنفختي الصور {وإن الساعة لآتيه بالحق} أيضاً ، وليست سحراً كما تظنون ، ولما كان إتيانها لهذا العرض مما يشفي القلب لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه ، تسبب عنه قوله تعالى {فاصفح الصفح الجميل} .