وقوله: (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ) سمى اللَّه تعالى الكفرة بأسماء مختلفة: سماهم مرة ظالمين، ومرة فاسقين، ومرة مشركين، واسم الظلم قد يقع فيما دون الكفر والشرك، وكذلك اسم الفسق يقع فيما دون الكفر والشرك، ثم الكفر لم يقبح لاسم الكفر، وكذلك الإيمان لم يحسن لاسم الإيمان؛ إذ ما من مؤمن إلا وهو يكفر بأشياء ويؤمن بأشياء؛ قال اللَّه تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) ، المؤمن يكفر بالطاغوت وبالأصنام؛ التي كان أهل الكفر عبدوها، وكذلك الكافر يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء: يؤمن بالأصنام ويكفر باللَّه؛ فثبت أن الكفر لاسم الكفر - ليس بقبيح، وكذلك الإيمان لاسم الإيمان - ليس بحسن، ولكن إنما حسن؛ لأنه إيمان باللَّه، والكفر إنما قبح؛ لأنه كفر باللَّه.
وأما الظلم: فهو لاسم الظلم قبيح، وكذلك الفسق لاسم الفسق قبيح؛ فسماهم بأسماء هي لاسمها قبيحة، لكن الإيمان المطلق هو الإيمان باللَّه، والكفر المطلق هو الكفر باللَّه، وإن كان يسمى بدون اللَّه كفرًا وإيمانًا؛ كما قلنا: الكتاب المطلق كتاب اللَّه، والدِّين المطلق دين اللَّه؛ وإن كان اسم الكتاب والدِّين يقع على ما دونه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ(79)
ذكر الانتقام منهم؛ ولم يذكر هاهنا بِمَ كان الانتقام، وقال في آية أخرى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) ، وقال في آية أخرى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) ، وقال في آية أخرى: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) ، فيحتمل أن يكون الرجفة لقوم؛ والصيحة لقوم؛ وعذاب يوم الظلة لقوم منهم، أو كان كله واحدًا؛ فسماها بأسماء مختلفة، وليس لنا إلى معرفة ذلك العذاب حاجة - سوى ما عرف أنهم إنما أهلكوا أو عذبوا بالتكذيب؛ ليكون ذلك آية لمن بعدهم؛ ليحذروا مثل صنيعهم. واللَّه أعلم.