يُحْكَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ كَانَا جَالِسِينَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَرَاهُ نَجَّارًا، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ حَدَّادًا، فَتَبَادَرَ مَنْ حَضَرَ إلَى الرَّجُلِ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: كُنْت نَجَّارًا، وَأَنَا الْآنَ حَدَّادٌ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَادَةِ، فَزَعَمَتْ الصُّوفِيَّةُ أَنَّهَا كَرَامَةٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ هِيَ اسْتِدْلَالٌ بِالْعَلَامَةِ، وَمِنْ الْعَلَامَاتِ ظَاهِرٌ يَبْدُو لِكُلِّ أَحَدٍ، بِأَوَّلِ نَظَرٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِيٌّ فَلَا يَبْدُو لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يُدْرَكُ بِبَادِئِ النَّظَرِ.
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ} وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوَهُّمَ وَالتَّفَرُّسَ مِنْ مَدَارِكِ الْمَعَانِي وَمَعَالِمِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ مَوْسُومٌ وَلَا مُتَفَرَّسٌ.