وَقَدَّمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَيْسَ لِخَلْقِهِ أَنْ يُقْسِمُوا إلَّا بِهِ لِقَوْلِهِ: {مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت} .
فَإِنْ أَقْسَمَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ آثِمٌ، أَوْ قَدْ أَتَى مَكْرُوهًا عَلَى قَدْرِ دَرَجَاتِ الْقَسَمِ وَحَالِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُؤَنَّثِينَ مِنْهُمْ يُقْسِمُونَ بِحَيَاتِك وَبِعَيْشِك، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ أَقْسَمَ بِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَذَلِكَ بَيَانٌ لِشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ وَشَرَفِ الْمَكَانَةِ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَبِهِ أَقُولُ؛ لَكِنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَطَعَهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَرَدَّ الْقَسَمَ إلَيْهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي [الْأُصُولِ وَفِي] مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
قَوْله تَعَالَى: {إنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي التَّوَسُّمِ: وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنْ الْوَسْمِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَطْلُوبٍ غَيْرِهَا.
قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنِّي تَوَسَّمْت فِيك الْخَيْرَ نَافِلَةً وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي صَادِقُ الْبَصَرِ وَفِي الْفِرَاسَةِ أَيْضًا، يُقَالُ: تَفَرَّسْت وَتَوَسَّمْت.
وَحَقِيقَتُهَا الِاسْتِدْلَال بِالْخَلْقِ عَلَى الْخُلُقِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِجُودَةِ الْقَرِيحَةِ، وَحِدَّةِ الْخَاطِرِ، وَصَفَاءِ الْفِكْرِ.