وفي الكلام إضمار والتقدير {ولقد أرسلنا من قبلك} رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه. ومعنى {في شيع الأولين} في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر"الأنعام"قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم. قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله {حق اليقين} [الواقعة: 95] و {بجانب الغربي} [القصص: 44] وقوله {وما يأتيهم} حكاية حال ماضية. وإنما كان الاسهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد ، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله سبحانه ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل. قوله {كذلك نسلكه} السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط. وقالت الأشاعرة: الضمير في {نسلكه} يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه {يستهزءُون} وأما الضمير في قوله {لا يؤمنون به} فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار ، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك. والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره. وقال بعض الأدباء منهم: قوله {لا يؤمنون به} تفسير للكناية في قوله {نسلكه} أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده. وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر. والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين. ومحل {لا يؤمنون به} نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله {كذلك نسلكه} والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير